مقدمة:
ينطلق
ذلك المقال من فرضية ان المباني التاريخية سواء الخان او الوكالة او الفندق لم
توجد من فراغ فكري او مادي؛ بل جاءت منسجمة مع ظروف العصر الذي ولدت فيه.
اولا: تعريف الخان – الوكالة :
لفظة
خان فارسية وتركية؛ وتعني بالفارسي الحانوت، وتعني في التركية دار للعمل والتجارة.
أما الوكالة فهي لفظة تعني وكيل الرجل الذي يقوم بأمره. اما من حيث المصطلح فإن
الوكالة تأتي في مرتبه واحدة مع الخان أو الفندق وذلك يتضح من تعريف المقريزي
للوكالة عند تحدثه عن وكالة قوصون.
ثانيا: الخان والوكالة مرأه تعكس المجتمع:
بدايه سأقتبس بعض
الفقرات من كتاب " الأثار الإسلامية الأولي" للسيد " كريزويل"
الذي يعد من اوائل من كتبوا عن العمارة الإسلامية في مصر في العصر الحديث فيذكر
مقولة "أرنست كونل" في مقدمة كتابه "الفن الإسلامي" :
"إن وحده العقيدة الدينية في العالم الإسلامي أقوي تأثيرا منها في العالم ذلك
لأن الإسلام قضي علي الفوارق الناشئة عن أختلاف الأجناس والتقاليد وعني بتوجيه
شؤون الفكر والأداب والعادات في مختلف البلاد....".
ثم
يأتي في موضع أخر: " نتلمس التأثير
الإسلامي وتعاليمه الاجتماعية في هندسة البيوت والقصور والحمامات فيما يفرضه من
محافظة وانغلاق علي كل متطفل في سبيل إعطاء راحة وحرية داخلية
للساكنين".
ثم
يصل إلي نتيجة عن تصوره للعمارة الإسلامية مقتضاها: "ونري إبتعاد الهندسة والزخرفة والنحت والتصوير الإسلامي في أولي الأمرعن
تمثيل الأشكال الإنسانية متجها نحو الزخرفات الهندسية والنباتية".
ترتكز
أركان أي تخطيط عمراني علي أربع عناصر: المنفعة – القوة أو المتانة – الاقتصاد –
الجمال.
وبوجه
خاص نستطيع القول إن الوكالة ( الخان)
تتكون عادة من أكثر من طابق؛ الجزء
السفلي يخصص لحفظ و عرض البضائع – أو
تبادلها – عقد الصفقات التجارية ، أما الجزء العلوي فهو مخصص كشقق سكنية لإقامة
التجار الوافدين سواء من خارج مصر أو من داخل الأقاليم. بالإضافة إلي أماكن مخصصة
للدواب ،ويطل الجزأين علي فناء داخلي.
وقد عرضت الوثائق في وصفها
للمرافق الخدمية داخل الوكالة ( الخان) باسم " المنافع والحقوق" وكانت
معظمها تتصل بالجزء العلوي المشار إليه.
ولم
يقتصر الأمر علي تلك الشاكلة بل أهتمت الدولة بإنشاء وسائل راحة مكملة للأجانب
منها الحمامات والأفران ودور العبادة، وانطلاقا من ذلك زاد التبادل التجاري مع
الغرب الأوروبي، ونقلت كثير من صناعات الشرق مثل الزجاج الملون و السجاجيد
والأقمشة ، وكذلك الورق إلي الغرب الاوروبي.
وفي
المجمل نستطيع القول إن مباني الوكالة ( الخان)
تمثل عمارة جماعية جديدة ضمت الصناع وصغار التجار. وعلي ذلك الأساس نجد
القنصل ،و ناظر الاسواق يقابلهم العتالون، مدولب الوكالة، البواب، السماسرة
والدلالون.
ثالثا: قصة خان
الخليلي:
لكي نصل إلي ذلك الخان
القريب من مسجد الحسين رضي الله عنه، الذي يعج بتجار يتحدثون الصينية كالعربية،
ولديهم من الشيلان الملونة ما يبهت بيسر، فإننا سنعود إلي بداية إنشاء القصر
الفاطمي للخليفة المعز لدين الله. فالقصر كانت له تسعه ابواب؛ اثنان منهما في
الحائط الجنوبي هما: باب الديلم وباب تربة الزغفران. وقد دفن بتربة الزغفران المعز
لدين الله وأبائه إذا جيء بتوابيتهم من أفريقية، وسار بعد موته مدفنا لأسر الخلفاء
الفاطمنين.
وفي زمن السلطان الظاهر برقوق سنة ( 1382- 1399 م ، 787- 801 هـ) بني الأمير جهاركش
الخليلي خان ينسب إليه بعد أن أخرج العمال ما شاء الله من عظام الخلفاء المدفونين
بها فألقيت في المزابل علي كيمان البرقية ( الدراسة حاليا).
ويقول
المقريزي في كتابه "الخطط": " ووقف هذا الخان وغيره علي عمل خبز يفرق بمكة علي كل فقير منه في اليوم
رغيفان فعمل ذلك مدة سنين ثم لما عظمت الأسعاربمصر وتغيرت نقودها من سنة ست
وثمانمائة صار يحمل إلي مكة مال ويفرق بها علي الفقراء".
وبعد
أن تولي السلطان الغوري الحكم، ذكر ابن إياس واقعة هدمه للخان في سنة 917 هجريا
حيث يذكر:"وفي هذا الشهر أمر
السلطان بهدم خان الخليلي وقد ملكه بطريق شرعي، فلما هدمه أنشأه إنشاء جديدا وجعل
به الحواصل والدكاكين وزاد في تزخرفه".
وها
هو الأن خان الخليلي تكاد تنطق طرقاته وعطفاته بروايته حتي وان لم يكن اول خان نشأ
في القاهرة.
رابعا: وكالة قوصون:
بقايا وكالة الأمير قوصون.شارع باب النصر -الجمالية منشورة علي موقع القاهرة التاريخية
لم تكن أقدم وكالة بنيت في القاهرة، إنما هي أقدم واحدة ظلت موجودة
حتي القرن العشرين ولم يتبقي منها سوي بابها المسجل كأثر، ويرجع تاريخ إنشائها إلي
ما قبل 742 هـ/ 1341 م.
وسأقتبس
هذه الكلمات من المقريزي في حديثه عن الوكالة:" هذه الوكالة في معني الفنادق والخانات ينزلها التجار ببضائع بلاد
الشام من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب والرب
ونحو ذلك وموضعها فيما بين الحاكي ودار سعيد السعداء كانت خير دار تعرف بدار تعويل
البوعاني فأخرجها او ماجاورها الأمير قوصون وجعلها فندقا كبيرا إلي الغاية وبدائره
عدة مخازن وشرط ألا يؤجركل مخزن إلا بخمسة دراهم من غير زيادة علي ذلك ولا يخرج
واحد من مخزنه فصارت هذه المخازن تتوارث لقلة أجرتها وكثرة فوائدها".
وقد
أشتهرت بوكالة الصابون، و تلاشي أمرها منذ ان خربت الشام علي يد تيمورلنك سنة 804
هـ/ 1401 ميلاديا، وقد ذكرالمقريزي أن الرباع التي تعلو الوكالة وتشتمل علي 360
بيتا لازالت مسكونة حتي بعد ان خرب أمرها.
وقد
تحولت هذه الوكالة إلي مدرسة في منتصف القرن العشرين، وأنتهي أمرها ما عدا بابها
الذي يدخل تحت حماية قانون الأثاررقم 83 لسنة 1983 المعدل بالقانون رقم 91 لسنة
2018.
خامسا: وكالة
الخربطلي:
جانب من منطقة ما كان يعرف بسوق الشوايين- منشورعلي موقع البوابة نيوز
تعرف
أيضا بوكالة القصب، وقد انشأها الأمير أحمد كتخدا الخربطلي عام 1176 م وقد أشتهرت
ببيع القصب والملايات والتلي والمخيش.
وما
يميز هذه الوكالة موضعها في ما يسميه قصبة القاهرة؛ أي سوق الشوايين ويعتبر أول
سوق يوجد في مدينة القاهرة منذ نشأتها.
ويذكر
لنا التاريخ بعض من اعمال الأمير أحمد الخربطلي إذ قام بتجديد جامع الظافر(
الفكهاني) وصرف من ماله مائة كيس، بالإضافة إلي إنشائه لكتبخانة تصل إلي حوالي 900
مجلد .
وقد
قام السيد حسن عبد الوهاب كبير مفتشي الاثار الإسلامية الأسبق بتصوير باب وكالة
الخربطلي؛ صورة تود بعدها الدخول إلي بوابتها إلا ان هناك مانعين: أما الأول انها
صورة في كتاب، وعن الثاني انه تم هدمها بالكامل.
خلاصة القول: علي الرغم من المساوئ التي تمثلت في
جذورنشأة خان الخليلي أو التي تتعرض لها عمارتنا الإسلامية، إلا أن وجود ذاكرة
قوية ومعدة لا تتعسر قد يكون هو الحل حتي لا نتبعثر كحبات العقد في غيبات الزمان
والمكان.
قائمة المراجع:
1) أيمن فؤاد سيد، القاهرة خططها وتطورها العمراني،
القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2015
2) تقي الدين المقريزي ، الخطط المقريزية، ج1، الجيزة، المركز
الإسلامي للطباعة والنشر،د.ت
3) تقي الدين
المقريزي، الخطط المقريزية،ج2،الجيزة، المركز الإسلامي للطباعة والنشر، د.ت
4) توفيق
حمد عبد الجواد، العمارة الإسلامية فكر وحضارة، القاهرة، مكتبة الأنجلوالمصرية،1987
5) علي باشا مبارك، الخطط التوفيقية، ج2، القاهرة، المطبعة الكبري الأميرية، 1204 هجريا
6) رفعت موسي محمد،
الوكالات والبيوت الإسلامية في مصر العثمانية، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية،
،1993
7) ك.كريزويل،
الأثارالإسلامية الأولي، ترجمه عبد الهادي عبله، دمشق، دار قتيبة، 1984
8) محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، بدائع
الزهور في وقائع الدهور،ج 4، حققها محمد مصطفي، القاهرة،الهيئة المصرية
العامة للكتاب، 1984.
9) مجدي عبد الجواد علوان عثمان، العمارة
العثمانية في مصر"دراسة في الأصول المعمارية التركية والـتأثيرات
المحلية المصرية"،الأسكندرية، دارالوفاء لدنيا الطباعة والنشر،2019
10) محمد ابو العمايم، أثار القاهرة الاسلامية
في العصر العثماني، المجلد الثالث: الوكالات والخانات والقياسر، تركيا ،مركز
الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافي الاسلامي بإستنبول، 2015.


خلي بالك وكالة القصب تبيع نوع من المنسوجات يسمى هكذا وليس القصب الذي يعصر ....
ردحذفشكرا للمشاركة
حذف