الاثنين، 29 يوليو 2019

مصنع البيرة الأثري في بين السرايات – مبني ينتظر الهدم







كدت انتهي من زحام في شارع ثروت عابرة إلي أعلي الكوبري بإتجاه منطقة صفط اللبن، أري تيمة وحيدة للمباني، تمر لحظات من الزمن علي عكس ما أرجوه في أن تمر لحظة واحدة، وسط هذا أجد مبني كالقلعة التي تبدوا وكأنها  تنتمي إلي القرن التاسع عشر!!! وأتسال؛ أكان هناك خوف من الهجوم علي مصر من هذه الناحية! ولكني علمت بعدها أنه أقدم مصنع للبيرة في مصر.                                                                                      


فلنقص القصة من بدايتها مع وجدي الكومي في روايته " خنادق العذروات" :                                  
" أنشيء مصنع البيرة في بين السرايات عام 1897 ، قبلها بإعوام كان رجل الأعمال اليوناني المسيو تيودور كوتسيكا أنشيء في طرة مصنع كحول ضخما ، أختفي المصنع وبقت المنطقة تحمل اسم صاحبه، وكان إنتاجه في أول الأمر لا يتجاوز350 ألف كيلو في العام ، وتحول كوتسيكا إلي أكبر محتكر للسبرتو واغني أغنياء الجالية اليونانية آنذاك، وكان احتكاره للسبرتو سببًا في ازدهار صناعة الخمور، وكان مسيو بولانكي قد أفتتح بالإسكندرية معمل تكرير الكونيالك والروم عام 1884 ، ثم لم يلبث كل من بولانكي ورجل الأعمال جناكليس ان احتكرا النبيذ والكروم، حيث كان جناكليس يمتلك شركتين هما " الكروم والكحول المصرية" و" الحدائق والكروم المصرية" ، ودخل نشاط انتاج البيرة البنك البلجيكي الذي انشأ شركة بيرة كروان بالإسكندرية ، وشركة بيرة الأهرام، وكان من أهم مصانع البيرة التي أنشئته شركة " بيرة كروان" هو ذاك الموجود في " بين السرايات" وتولته شركة بلجيكية مقرها في بروكسل ومركز إدارتها بالإسكندرية، وحمل المصنع في البداية  "اسم معمل التاج" وكنت أتطلع في هيبة إليه بينما..."                                                                    


الملاحظ ان شركة بيرة الأهرام لم يكن ذلك اسمها منذ البداية،  فكانت علي نفس اسم الشركة في الإسكندرية، وبعدها بفترة قصيرة تغيرت إلي اسم شركة بيراميدز. وقد اندمجت الشركتان تحت اسم بيرة الأهرام  في عام 1963 وذلك في اطار حركة تاميم الشركات الخاصة آنذاك. وأما الاسم الحالي "شركة الأهرام للمشروباتABC   “لم يظهر قبل عام 1985. وقد أبرمت بيراميدز إتفاقية مع مجموعة هاينكين الهولندية عام 1946 بهدف الحصول علي مساعدة تقنية بشأن إنتاج البيرة.        

مرت السنون وبعام 1996 ورد خبر في جريدة الأهرام تحت العنوان الرئيسي  " رئيس الشركة القابضة للإسكان والسياحة والسينما يعلن بيع 75% من أسهم شركة الأهرام للمشروبات  ABCلمجموعة استثمارية تضم مستثمرًا أمريكيًا ب74 جنيها للسهم بدلا من67 جنيهًا" وعنوان ثان ٍ جانبي؛ " المشتري يتعهد بانتقال المصانع الخاصة بالشركة في القاهرة والإسكندرية إلي المناطق الصناعية المتاخمة وتسليم " الأرض" للشركة القابضة خلال 5 سنوات".






في حين روي كل من  دارن اسيموجلو وجيمس أ. روبنسون في كتاب لماذا تفشل الأمم رواية أخري " كان احمد الزيات، احد الحيتان، علي رأس مجموعة الأقصر، وبحلول عام 1996 قررت الحكومة خصخصة شركة الاهرام للمشروبات (ABC) ، والتي كانت محتكرة لصناعة البيرة في مصر. كان هناك عرض تم تقديمه من اتحاد " شركة المالية المصرية" التي يترأسها المطور العقاري "فريد سعد" بالإضافة إلي أول شركة مضاربة روؤس أموال يتم إنشاؤها في مصر في عام 1995. شمل اتحاد" شركة المالية المصرية"  فؤاد سلطان وزير السياحة السابق، ومحمد نصير، ومحمد رجب رجل أعمال النخبة. كان الاتحاد علي صلة بالدوائر السياسية، ولكن ليس بدرجة كافية. وتم رفض عطائها الذي بلغ 400 مليون جنيها مصريا ، بحجة أنه منخفض بشكل ملحوظ. لكن " احمد الزيات" كانت له اتصالات أفضل. لم يكن لديه المال لشراء شركة الاهرام للمشروبات (ABC)  لذلك جاء بمخطط بارع علي غرار "اكارلوس سلم" حيث تم طرح أسهم شركة الاهرام للمشروبات (ABC) لأول مرة في بورصة لندن، وأستحوذت مجموعة الأقصر علي 79.9 في المائة من تلك الاسهم مقابل 68.5 جنيها مصريا للسهم الواحد. وبعد ثلاثة اشهر تم تقسيم الأسهم مناصفة، وكانت مجموعة الاقصر قادرة علي بيع جميع الاسهم بمبلغ 52.5  جنيها استرلينيا بصافي ربح 36 في المائة، وفي هذه الأثناء كان "الزيات" قادرا علي تمويل شراء شركة الاهرام للمشروبات (ABC)  مقابل 231 مليون جنية استرلينيا في الشهر التالي. وكانت  شركة الاهرام للمشروبات (ABC) في هذا الوقت قد حققت أرباحا سنوية بقيمة 41.3 مليون جنيها مصريا، وكان الاحتياطي النقدي لديها 93  مليون جنيها مصريا فكانت الصفقة مربحة تماما. وفي عام 1999 امتدت شركة الاهرام للمشروبات (ABC)  التي تم خصخصتها حديثا ، وقامت بتوسيع احتكارها من البيرة إلي الخمور عن طريق شراء احتكار النبيذ الوطني "جناكليس" الذي تم خصصته. كانت شركة "جناكليس" شركة مربحة جدا، حيث كانت تمتلك 000 .3 من التعريفة المفروضة علي الخمور المستوردة، وكان هامش ربحها يمثل 70 في المائة علي مبيعاتها..."


الملاحظ أنه قبل تخصيص الحكومة لشركة الأهرام للمشروبات( (ABCبشهور قليلة بدأت نيابة الأموال العامة العليا بالتحقيق في بلاغ ضد رئيس وأعضاء مجلس إدارة الشركة لقيامهم بالموافقة علي شراء عدد من الوحدات السكنية للعاملين بالشركة بالمخالفة للوائح والقوانين،  قدرت قيمتها بأربعهة ملايين جنيهًا، وتم تخصيصها لكبار العاملين بالشركة. حفظت هذه التحقيقات بعد تسع سنوات!!                                                                  


وفي عام 2002 أتفقت مجموعة هاينكين الهولندية مع شركة الاهرام للمشروبات ABCعلي الإستحواذ علي أن تبقي شركة الاهرام للمشروبات تحت تصرف الإدارة الحالية ويتم نقل الإدارة لهينكين بحلول شهر يناير 2006 وذلك  مقابل 1.3 مليارجنيهًا مصريًا، في صفقة رابحة وأنتقلت مصانع الشركة إلي المنطقة الصناعية الأولي بمدينة العبور.                                                                                                                              

بقي مبني مصنع البيرة قابعًا مكانه؛ إذا ليس له قيمة في انتاج البيرة بل هناك قيمة أخري ظهرت علي مسرح  الأحداث تتمثل في وقوع نزاع ما بين محافظة الجيزة وجامعة القاهرة لسنوات علي ملكيته إلي ان يحكم القضاء لصالح الطرف الأول. بعدها قامت محافظة الجيزة بتخصيص  قطعة الأرض رقم 4 بحوض البرنس نمرة11 بشارع بين السرايات، البالغ مساحتها 4000 مترا مربعا، المعروفة بأرض البيرة للإنتفاع من قبل جامعة القاهرة لمدة 25 عاما وفقا للقرار -غيرالمنشور- رقم 116 لسنة 2013!    



وقد أورد موقع جامعة القاهرة  بتاريخ 18/9/2014  خبر عن منح رئيس جامعة القاهرة أرض البيرة إلي كلية الأثار بقرار رقم 921 لسنة 2014  الخاص بصيانة وترميم وإعادة تأهيل المبنى التاريخي بأرض الجامعة في بين السرايات ليكون متحفاً تابعاً للكلية تعرض فيه حفائر الكلية خلال 100 عام وآثار ماقبل التاريخ والآثار الخاصة بجامعة القاهرة وإحياء الحرف التقليدية وربطها بالتسويق السياحي لأهرامات الجيزة وسقارة.                                                          

ويسرد الاستاذ محمد أبو العمايم،  رئيس سابق لقسم المشروعات بمركز الدراسات الأثرية والعضو السابق باللجنة الدائمة للآثارالإسلامية و القبطية،  ان مصنع البيرة " مبني أثري ذو مميزات فنية، ويستوجب التسجيل،  وكان مهيًا للهدم، وفي مكان سراي حسن باشا ابن الخديو اسماعيل، الذي كان قائدًا حربيًا، ذهب علي رأس حملة عسكرية وانتصر علي الصرب"

في النهاية هل تعتقد سيدي القارئ ان ذاك المبني مقدرًا له ان يتحول إلي متحف جامعي ومزار سياحي أم مقدر له الهدم حتي يتم الإنسجام مع النسيج العمراني الذي يحيط به!!؟؟



صورة جانبية لمبني مصنع البيرة تم إلتقاطها في 23/6/2019




صورة التقطت من قبل فريق كلية تجارة القاهرة مؤرخة في 26/12/2014





                                                                        اعلان لبيرة الأهرام يرجح  تاريخه بدايه من 1963 لذكر المؤسسة المصرية للصناعات
                                             الغذائية إلي 1976؛صدور قانون رقم 63 لسنة 1976 بحظر شرب الخمر
                                                                                  - موقع أنتيكا 









صورة للمصنع من الداخل -  أوائل القرن العشرين
- موقع معرفة


                                                    صورة لمجموعة من اليونان المصريين يحتفلون بمقر الشركة في الإسكندرية-
                منتصف الخمسينيات- من موقع  photorist 
  
                                                                                                     قصاصة ورق من أرشيف جريدة الأهرم مؤرخة في 31/8/1996 





            قصاصة ورق من أرشيف جريدة الأهرام مؤرخة في 18/3/1996


                                                                                                 قصاصة ورق من أرشيف جريدة الاهرام مؤرخة في 16/5/2005
 





صورة من الموقع الرسمي للجهاز القومي للتنسيق الحضاري
تبين إدراج "أرض البيرة" بقائمة الحصر لحي الدقي- محافظة الجيزة



مصنع البيرة الأثري في بين السرايات – مبني ينتظر الهدم

كدت انتهي من زحام في شارع ثروت عابرة إلي أعلي الكوبري بإتجاه منطقة صفط اللبن، أري تيمة وحيدة للمباني، تمر لحظات من الزمن عل...