الأربعاء، 21 أغسطس 2019

جامع الخازندارة .. أهم آثار شبرا مهددة بالضياع




حينما تقع قدمي علي الرصيف المجاور له، أستمر في المشي ناظرًة إلى الخازندارة، لا أشغل بالا بمطالع ومنازل الرصيف، تتملكني حالة ما أشبه بفراشة تنتظر سربها كي تطير مع قريناتها. وإن كانت كل المساجد لله فقليلًا ما يغمرك ذلك الإحساس عند زيارة واحد منها ! ربما سيذهب بك الفكر سيدي القاريء إلي أن تاريخ جامع الخازندارة يرجع إلي العصر المملوكي أو العثماني، ولكن ربما ليطيب خاطرك إذا علمت أنه لم يمض علي تأسيسه المائة عام!   فترتيب ودقه صانعيه كانت وراء تسجيله كأثر. ُأفتتح بالتحديد يوم الجمعة الموافق الثامن من شعبان عام 1345 هـ -11 من فبراير 1927 م . من قبله أوقفت خديجة هانم بنت محمد راغب أغا  معتوق الخديوي عباس الأول مدرسة الخازندارة، لتكون أول مقر لكلية أصول الدين التابعة للأزهر، وذلك في 1333 هـ – 1912 م. أفتتحت رسميًا من قبل الملك فؤاد في الثاني عشر من ذي الحجة 1351 هـ - 28 مارس 1933م. وكثيرًا ما قرأت من عدة مصادر صحفية إطلاقهم علي الجامع اسم "الخازندار"  بدلا من الخازندارة. لكن هذا الإطلاق نجده خاطيء؛ فالاسم محفورة علي جدار المدرسة – المبني الملحق بالجامع. ربما ألتبس الأمر علي البعض فالسيدة خديجة تنسب إلي الخازندارية ومفردها الخازندار!   أما عن معني " الخازندارة" فقد ورد في صبح الأعشي في صناعة الإنشا للقلقشندي أن "موضوعها التحدث في خزائن الاموال السلطانية من نقد وقماش وغير ذلك ..."، ولا أعلم حقا ما الصلة بين خزائن الأموال السلطانية والجامع!


أما عن منية السيرج فأصلها قرية وكيف اتصلت بما يعرف بشبرا حاليا؛ فقد ُأتي علي ذكرها بكتاب "القاهرة" للأستاذ شحاته ابراهيم عيسي حيث "وقد ظهرت هذه الجزيرة في النيل في أواخر الدولة الفاطمية، وعرفت بجزيرة الفيل. وإنما سميت كذلك لأن مركب يشبه بالفيل غرق في النيل، وترك مكانه، فتراكمت عليه الرمال والأعشاب، وظلت تتكاثر إلي أن أصبحت جزيرة، يحيط بها الماء من كل الجهات، فُزرعت أيام صلاح الدين الأيوبي وطرح البحر بجوارها 680 هـ  (1281-1282م) ، فإتصلت بأرض بولاق وأرض الطبالة وأرض البعل وأرض منية السرج، وفي أيام المنصور قلاوون أنشأ الأمراء والأعيان بجزيرة الفيل الدور والقصور والبساتين، حتي صارت بلدا كبيرا..."    


ولنكمل الحكاية مع السيد فاروق عبد القادر- فقد كان أحد أعمامه أخر عمدة لقرية منية السيرج فقد ُذكر في كتاب" القاهرة  شوارع وحكايات للمؤلف حمدي أبو جليل ان منطقة شبرا حول منية السيرج كانت مزدحمة بالترع الصغيرة التي ترجع أصولها أو منبعها إلي ترعة رئيسية كانت تبدأ من المكان الذي يحتله مقر مبني الأذاعة والتليفزيون الأن . بالإضافة إلي أن شبرا ومنية السيرج إنضمت إداريا إلي القاهرة في خمسينات القرن الماضي، وبعدها تطاولت وكثرت فيها المباني علي حساب الحقول الزراعية، بالتحديد في هذه الفترة الزمنية ظهرت بها الكثير من الأحياء العشوائية هي أحياء القصيرين والخمايسة والزاوية الحمرا، التي كانت جميعها عزب صغيرة تابعة لمنطقة شبرا تمتد حتي حي المظلات.                                                                      
عودة إلي جامع قد ُأرسلت له تيجان خصيصا من ايطاليا  لنحت أعمدته الرخامية ، ُبني علي الطراز المملوكي، يقع من ورائه بأمتار قليلة قصر السيدة خديجة هانم الخازندارة- غير مسجل كأثر- قوامه تكاد تغلب عليه الأحجار.


 صورة من داخل جامع الخازندارة

للأسف  قبل أسابيع قليلة ناقش معالي وزير الأوقاف المصرية مع نائب المنطقة بجامع الخازاندارة مسألة انشاء دار مناسبات ملحقة به مما ينذر بالخطر الحال علي هذا الأثر؛ فقد عبر السيد الأستاذ محمد أبو العمايم رئيس سابق لقسم المشروعات بمركز الدراسات الأثرية وعضو سابق باللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية عن تخوفه من إقامة مثل هذه الدار لوجود ممارسات  سابقة من نفس النوع  أدت إلي تشويه أثار إسلامية من قبل. فعلي سبيل المثال تخرب مباني ميضأة جامع الشافعي الأثرية بالقرافة، وهي من منشأت عهد الخديو توفيق، وكذلك تشويه القبة الفداوية بالعباسية بإقامة دار مناسبات بالفضاء المحيط بها.


                                                                                                                                
علي ذلك نستنج أنه في الحالتين كانت عملية التشويه نتيجة مباشرة لإقامة مثل هذه الدور. لا نكاد ان ننسي نص المادة (43) فقرة ثالثة من قانون رقم 91 لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983حيث " وتكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ولا تزيد علي سبع سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد علي مليون جنيه لكل من قام بإي من الأفعال الأتية:                                                                                    
                                                                                                                            
1- هدم أو أتلف عمدا أثرا منقولا أو ثابتا أو شوهه أو غير معالمه أو فصل جزءا منه عمدا..."                                                                                                                         
فنحن لا ننفك أن نري بأعيننا ضياع أثر يعتبر من أكبر أثار منطقة شبرا، فكلما دخلته تظل عيناي معلقتان  بذاك الحجر لا تغمض ولا يتحرك البؤبؤ إلي شيئا عداه.  


                                                               
وقد نشر المقال في عرب لايت علي اللينك التالي: http://www.arablite.com/2019/06/02/جامع-الخازندارة-أهم-آثار-شبرا-مهدد-بال/

الأحد، 4 أغسطس 2019

حول إمتداد شارع بولاق محاولة للتوثيق التاريخي


مقدمة

عندما انهي أعمالي في دار القضاء العالي متجهة إلي محكمة الاسرة في الكيت كات بالجيزة فإني سأمر بشارع بولاق، وحتي عندما احب ان أتجه من جزيرة الزمالك إلي أقرب محطة مترو فإني سأقطع ذلك الشارع، وفي الليل حين أذهب إلي مسرح " الهوسابير" بالأزبكية حتما سأمر عليه. قد لفت نظري ما كتبه الأستاذ عباس الطرابيلي في كتابه" شوارع لها تاريخ" كيف ان اسم الشارع ،او المنطقة ( الحي) ، او حتي الكوبري يكون مفتاح لذلك الشيء، او ربما يعطيني املا طفيفا في ان نفتح باب صغير للغز كبير؛ فعلي سبيل المثال " كوبري الجلاء" اطلق عليه المصريون فيما قبل 1947 بكوبري" بديعة مصابني" وذلك لوقوع الملهي الليلي الخاص بها أمام الكوبري مباشرة،" فندق شيراتون القاهرة " حاليا، اما بعد إنسحاب القوات الإنجليزية من القاهرة والدلتا اطلق عليه المصريين اسمه الأن. وأعتقد ان نفس الشيء حدث لكوبري "بولاق ابو العلا" فقد كانت فكرته هو ربط جزيرة الزمالك بمدينة القا وتعمير تلك الجزيرة ،وعلي الرغم من انشاء كوبري الزمالك كإمتداد له، ألا ان "كوبري بولاق "وصف بالتحفة الهندسية، فقد تكلف مبلغ 300 الف جنيه في حين "كوبري الزمالك" تكلف 75 الف جنيه فقط. والغريب انه لم يسمي كوبري الزمالك!، ربما لان اسم الزمالك لم يطلق إلا في 1830 عندما شيد لمحمد علي باشا قصرا بها فبني عشش من البوص لحُراسه فأطلق عليها "زمالكأما بعد وصول الحملة الفرنسية مصر عام 1798، كانت هنالك ثلاث جزر" الزمالك حاليا" قد اتصلتا مع بعضهما فإطلق عليها الفرنسيون " بولاق" لمواجهتها لقرية " بولاق".
اذن فلقد عرفنا من اين جاءت تسمية " الزمالك"، و " كوبري ابو العلا" ، ولكن لم نعرف بعد ماذا تعني بولاق؟ ، واين تقع بالضبط؟ ، وماذا قدمت لنا معماريا، وصناعيا، وتجاريا؟ ، ومن هم اهلها؟ ، وكيف نظر الفرنسيين لها عندما دخلوا القاهرة؟ ، واخيرا كيف يعيش اهالي بولاق في وقتنا الحاضر؟ فلقد تبين لك ان القصة طويلة، وتحتاج إلي مئات السطور بل الاف منها ، ولكن سنحاول القاء ومضات علي كل سؤال من الأسئلة المثارة أعلاه بحيث تكون لاحقا بذرة لأحد الأبحاث التي ستتناول نفس موضوع المقال. 


تاريخ شارع بولاق:

يبلغ طوله حوالي 748م، ويبدأ من الأزبكية إلي منطقة ميت عقبة (شكل رقم 1)، مخترقا حي بولاق ابو العلا إلي جزيرة الزمالك عن طريق ما كان يسمي " كوبري ابو العلا"،" ثم كوبري الزمالك " منهيا بشارع 26 يوليو (فاروق سابقا) .


أختلفت الأراء حول معني "بولاق" فهناك من يري ان الفرنسيين هم أطلقوا عليها ذلك الاسم ، ويرجع  أصل الكلمة  عندهم إلي "بو" أي الجميلة بالفرنسية  ، واخرين يرون ان كلمة مصرية قديمة ومشتقة من "بيلاق" Belaq” وتعني "الميناء".وقد ذكر العلامة الجبرتي لكلمة "بولاق" في كتابه " عجايب الآثار في التراجم والأخبار" في اكثر من موضع؛
نذكر منها:
"عندما دخل الفرنسيين الإسكندرية قاموا بطبع مرسوما،  وارسل عدة نسخ من المرسوم ومعه جملة من الأسري من مالطة إلي " بولاق "] وقد تكون ذلك من خمس مواد علي ما يخاطب أهل القاهرة من دخول الفرنسيين إلي مصر، وقد نصت الخاتمة علي" تكون الصلاة قايمة في الجوامع علي العادة، والمصريون بأجمعهم يبنغي ان يشكروا لله سبحانه وتعالي لإنقضاء دولة المماليك قايلين بصوت عال: أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك واصلح حال الامة المصرية.
ومن قراءة بعض المواقف الأخري التي ذكرت عن " بولاق" أنها كانت مركزا عسكريا، ومكانا يمثل وحدة المصريين في ذلك الحين؛ فعندما انهزم مراد بك ومن معه من الفرنسين، أتفق العلماء ورؤس الناس علي عمل متاريس من " بولاق" إلي شبرا. خلت بيوت المصريين جميعها متجهة إلي " بولاق" لمحاربة الفرنسين، ولم يتبقي إلا النساء والأطفال في تلك البيوت.



وعندما انهزم المصريين، سكن الفرنسيين في قصور الازبكية وعلي رأسهم بونابرت عندما سكن في قصر(شكل رقم2)  يشرف علي بركة الازبكية.

وبالمصادفة بعد ان كانت تقام في الأزبكية عليها حفلات كثيرة لأم كلثوم (شكل رقم3)، انحسرت أهمية الأزبكية مثلما تماما تقل نسبة وصول الدم إلي المخ فتسبب بصداع  موجع، فلقد كانت بحق في ذاك الحين صرة القاهرة الحديثة.

تاريخ حي الأزبكية:

فيعود تاريخها إلي أواخر القرن الرابع عشر حين اهداها السلطان قايتباى إلى قائد جيوشه سيف الدين بن ازبك، وقد ازال كيمانها، و قام بتوصيل المياه اليها ؛ وذلك بإعادة حفر البركة وتمرير الماء فيها من الخليج الناصري، وهناك من يري ان تلك البركة من أعظم البرك التي حفرت في العصر المملوكي والعثماني معا. ، وقد طوق البركة برصيف، .بالأضافة إلي انشاء مسجد كبير، والحاق به مكتبة نفيسة وانتشرت حوله حمامات وطواحين، وقياسر للتجارة ،و اخيرا شيد قصرا له يطل علي البركة ومن هناك عرفت "بالأزبكية"، ، وقد مدحها مقامة الشيخ شمس الدين محمد بن ابي بكر القادري عند زيارته لها وسماها " عرف الروضة الذكية في وصف محاسن الأزبكية"، وفى عام 1495 أصبحت حيًا كبيرًا يتوسط القاهرة.
والغريب ان هناك من يري أن المسجد الذي أسسه الأمير أزبك (شكل رقم 4)، قد ازيل من موقعه عند تخطيط ميدان العتبة الخضراء، ولكن المسجد لا يزال موجودا ومسجل  كأثر برقم 211، وقد خطط ذلك المسجد علي نظام المدارس ذات التخطيط المتعامد.

وقد تم بدأ الربط ما بين " بولاق" و"الأزبكية" أيام الحملة الفرنسية؛ حيث يذكر الجبرتي ذلك علي وجه التفصيل "وشرعوا في ردم جهات حوالي بركة الازبكية، وهدموا الأماكن المقابلة لبيت صاري عسكر حتي جعلوها رحبة متسعة، وهدموا الدور المقابلة لها من الجهة الأخري والجناين التي خلف ذلك، وقطعوا أشجارها وردموا مكانها بالأتربة الممهدة علي خط معتدل من الجهتين مبتدأ من حد بيت صاري إلي قنطرة المغربي. وجددوا القنطرة المذكورة، وكانت الت إلي السقوط، وفعلوا بعدها كذلك الوضع والنسق بحيث صار جسرا عظيما ممتدا ممهدا مستويا علي خط مستقيم من الأزبكية إلي بولاق..."، فكان ميدان الأزبكية (شكل رقم 5).

وأرجع الخديو أسماعيل الكرة مرة أخري عندما  أمر بنقل مقر الحكم من القلعة ( الجبل) إلي قصر عابدين (بالقرب من شاطيء النيل) عام 1863م. فقد صورت كامن رغبته في ربط القاهرة الحديثة وتبدأ من الأزبكية بشاطيء النيل ( شاطيء بولاق)  وعلي هذا الاساس اشتري الخديوى اسماعيل في سنوات معدودة 450 جسرا، والف ميل من قضبان السكه الحديد واسلاك البرق،  وقد عهد إلي مهندسين أوروبين كثيرين لتنفيذ مشروعه  ومن ضمنهم المسيو "أوسمان" حيث طلب منه إعادة تخطيط ميدان الازيكية،  وقد قام ذلك المهندس  بثورة في معمار بلدية باريس؛ فهدم وقوض استبعد لحساب شوارع جديدة عريضة صارمة في خطوطها الهندسية، تقطعها الميادين المدورة، وتجملها حدائق عامة أقرب إلي غابات صغيرة ، إذن فالقاهرة الخديوية هي قطعة من أوروبا القفزة العمرانية التي حدثت ايام الخديوي اسماعيل تجد ملمحا كبيرا لها من عصر سابق (عهد السلطان الناصر بن محمد بن قلاوون) . حيث ان ذلك السلطان هو من قام بتشجيع العامة بسكن جزيرة بولاق من ما يقرب من خمسة قرون .

لم تدخل أعمال التنظيم وبناء الاحياء بالقاهرة في أحياء القاهرة القديمة فلم يتم الاحلال او حتي إعادة تنظيم المباني، فلم تكن القاهرة القديمة جزءا من مخططات لوجرابك!  وقد سبق ذلك  الأعمار المفاجيء ما قام به محمد علي باشا من استقدام المعلمين الروم لإدخال المباني الرومية إلي الديار المصرية ؛ ومن ضمن هذه العمارة " قصر ابنته زينب هانم" بالأزبكية، و" قصرنازلي هانم "،  او " سراي قصر النيل" ، وقد حل محله مقر جامعة الدول العربية، وفندق النيل هليتون.

وقد قسم اوسمان الازبكية إلي قسمين هما "ميدان أزبك" و" ميدان العتبة الخضراء"، وتم ردم بركة الازبكية عام 1864. وأنشئت حديقة الأزبكية مكانها في 1873 وكانت تفصل ما بين مكانين وزمانين، فمن ناحية تفصل ما بين احياء القاهرة القديمة والجديدة، وما بين زمن السلطان" الناصر بن محمد بن قلاوون"،  والأمير "أزبك"، وحلم القاهرة الرومية التي بدأها "محمد علي" باشا. وقد ساهم الخديو اسماعيل في زراعة ما يقرب من 185 هكتار من الحدائق الأخري غرب النيل بالجيزة، وقد قامت شركة ليون الفرنسية بتوصيل الغازوالمياه إلي مشروعات الإسكان الجديدة، بالإضافة إلي توصيل شبكات المجاري المحلية؛ فبدأ ميسوري الحال من ساكني أسوار القاهرة الإسلامية في الانتقال إلي سكن الازبكية وحي الاسماعيلية ( وسط البلد) بإعداد كبيرة، فساءت الخدمات التي تقدمها المرافق في الأحياء القديمة. وهو ما تعانيه إلي اليوم.
أما عن حديقة الازبكية (شكل رقم 6) فقصتها طويلة، فقد كلف المهندس الفرنسي "باريل ديشان" الذي كان مسئولا عن بساتين باريس،بتصميمها، وتنفيذها، وقد شيدت علي مساحة 20 فدان علي نفس نمط حديقتي "مونسو"،و" ريفولي" بباريس. زودت بحوالي 2500 لمبة غاز، بحيرات صغيرة، قنوات، مراكب للنزهة، ممرات مظللة، جبلاية صناعية،غرس بها أشجارنادرة استوردها "باريل" من( اوروبا – الهند – أفريقيا – البرازيل – استراليا) ، كما زودت بمعمل تصوير، وأقيم بها مسرح  كوميدي. والوثيقة المرفوعة بتاريخ سبتمبر 1869إلي ديوان المالية توضح إجمالي تكلفة حديقة الأزبكية وهي مبلغ "واحد مليون وأربعمائة وخمسون الف فرنك بالتمام والكمال".
   وبعد يوم 26 يناير 1952 تم إزالة الأسوار( شكل رقم  7)  سمح للعامة الدخول مجانا، وقد اقيمت بداخلها عدة مقاهي، ومسارح منهم مسرح العرائس، وقد قسمت غلي جزئيين الاول: سنترال الأوبرا، والثاني: أخترقها شارع 26 يوليو. وحاليا متوقفة عن العمل بحجة تطويرها من اعوام طويلة. 
إذا كنا مازلنا نتحدث عن الأزبكية، فلابد ان نرجع بالزمن إلي الوراء قليلا ؛ حيث قصر "محمد بك الألفي" والذي أشتراه بألف دينار!، والذي أصبح فيما بعد مقرا" لنابليون بونابرت" ، بالرغم ان صاحبه لم يسكن فيه إلا مدة 16 يوما فقط. وبعده قتل كليبر في حديقته كما سنري لاحقا. وفي 1841 تحول ذلك القصر إلي فندق (شكل رقم 8) ، وقد أحترق في 26 يناير عام 1952.وقد سجل في كتاب " وصف مصر" محاولة لوصف نساء القاهرة وبولاق:
"ويقيم في القاهرة وبولاق عديد من الاسر من أصل سوري، ونساء هذه الأسرات في العادة جميلات وقامتهن مديدة، وعيونهن سوداء وواسعة بها شيء من الإغراء، ولكن أنفهن الأقني والطويل بعض الشيء ربما يعطي لشكلهن ملمحا من شموخ واضح، ومع ذلك فهن يبدون بهذا المظهر المتعجرف في مواجهة السيدات التركيات اللاتي يماثلهن في الزي والعادات".

ويتضح من النص أعلاه  ان "بولاق" كان يسكنها نساء ترجع اصولهن إلي سوريا و ازواجهن يعملوا في التجارة؛ حيث ان بعد ان انحسرت مياه النيل عن باب المقس ( باب الحديد ) عام 1313 بدأت فيضان النيل بالاتجاه إلي الجزء الجنوبي الغربي فظهرت بلدة "بولاق" من ترسب طميه وتكون مينائها أيضا .
لحق بميناء "بولاق" جمرك، وكانت تتوقف السفن المحلية بمنتجات الدلتا، والسفن المحملة ببضائع اوروبا والغرب كله. وقد مد الفرنسيون طريقا معبدا جميلا لربط القاهرة ببولاق عند قنطرة المغاربة طوله الف ومائتا متر ؛ ويتضح لنا انه يتحدث عن نفس الطريق الذي ذكره الجبرتي في كتابه"عجائب الأثار في التراجم والأخبار" والموضح سلفا. ولا يمكن ان ننسي ان الفرنسيين أنشئوا كرنتيله في "بولاق" وذلك خدمة للحجاج المسافرين. وقد أشتهرت بها كثير من الوكالات التجارية؛ وقد ذكر كتاب وصف مصرشيئا عنها فينص علي" كما بها عدد كبيرا من الوكالات، منها ثلاثون وكالة رئيسية هي في مجملها أكثر اتساعا وجمالا مما في القاهرة". وتقطن كثير من الوكالات التجارية في شارع سوق العصر؛ ويذكر ان وكالة حسن باشا هي من احدي اكبر الوكالات في ذاك الشارع ، وقد انشئت في عام 1583م ، وقد ازيلت ما عدا الباب ، وحل محلها بعض المساكن الشعبية. واعتبر سوق العصر من اهم الشوارع التجارية في ميناء بولاق.
وقد استمر ميناء بولاق ميناء للقاهرة لعدة قرون، وقد حظي بإهتمام كبير خاصة في اواخر القرن التاسع عشر؛ ففي نهاية ذلك القرن تم انشاء جسر سكه حديد علي النيل" كوبري امبابه"،وسنرجع لهذه النقطة لاحقا.
ولم يقتصر الأمر علي ذلك فقد أشتهرت بولاق بصناعات عدة من ضمنها صناعة الأقمشة وتبيضها، والحدادة ، والنجارة؛وقد عثرنا علي عدة صور ترصد دكان بائع قلل وازياء وأواني فخارية في بولاق. وعلي وجه العموم نجد ان الفرنسيين قد شغفوا بفن الصناعة في مصر فيذكر وصف مصر أن " القدرة المتميزة للغاية علي وجه الخصوص تلك الموهبة التي تثير إعجابنا لدي الصينين؛ موهبه المحاكاه المتقنه لأعمال الأخرين إلي درجه ينتج عنها في بعض الاحيان عدم القدرة علي التمييز ما بين التقليد والأصل. ومن ناحية أخري فنحن نعرف أن المصريين يعتادون العمل وهم جالسون، وهم في نفس الوقت يعملون بخفه في صناعات مالا يستطيع صناعنا أن يقوموا به في أوضاع مماثله..."

ولم يدم استقرار الفرنسيين في مصر فقد انقلب السحر علي الساحر، وبالتحديد في  يوم 15ابريل عام 1800 حدثت "مأساه بولاق" فقد قاد اهالي بولاق الثورة الثانية ضد الفرنسين، ومن الأسماء التي ذكرت في احداث هذه الثورة " مصطفي البشتيلي"  تاجر الزيوت في بولاق. فقد انذر الجنود الفرنسيين كثيرا الاهالي للتوقف عن ضرم النيران وأستخدام البنادق، ولكن في كل مرة كان يزداد حماس الاهالي، حتي مع دخول الفرنسيين لبيوتهم، فقد استمر الكفاح وكأننا نعيد الشريط من بدايته عندما استعد الرجال وتمركزوا في" بولاق" لحرب الفرنسيين بعد ما وصلهم مرسوم" نابليون" المطبوع، مع فارق في أستخدام الأسلحة! وبعد ان امتلئت الشوارع بالدماء، وابيح النهب بها فعندئذ استسلم الأهالي.

وقدعقد كليبر قبل هذه المأساه بيوم واحد معاهدة صلح مع مراد بك ؛ ومضمونها خضوع الوجه البحري لسيطرة الفرنسيين.
انتصر الفرنسيين، ولكن قتل كليبر علي يد سليمان الحلبي في حديقة قصر" محمد بك الالفي"! نعم رحل الفرنسيين بعد ثلاث سنوات.. ولكن ما تركوه من اثار سواء إيجابية أم سلبية باق..
من اوائل ما تم التأثر به هو انشاء محمد علي لمطبعة بولاق الأميرية، وبجانبها مصنع ورق، بالإضافة إلي نقل مقر الحكم من القلعة إلي أحد قصور الأزبكية.

وفي عهد ابنه إبراهيم باشا اول من فكر بتعمير،ها باتت تسمي بمنطقة ماسبيرو.وما نجدها قد صدر قرار من محافظ القاهرة رقم 1361 لسنة 2015 والذي يرخص علي إعلان منطقة ماسبيرو (شكل رقم 9) والمحددة بالشوارع " شارع 26 يوليو، شارع كورنيش النيل، شارع الجلاء – أو كما يطلقوا عليها منطقة "إعادة تطوير"-. وبعدها صدر قرار من رئيس حي بولاق يقرر البدء في ترميم وهدم المباني المحددة بالمنطقه المحصورة سلفا!. ويوجد 6 مباني مسجلة تابعة لهيئة التنسيق الحضاري والمقرر هدمهم ضمن الخطة [ لست مضطرة ان اذكر ان ذلك الهدم مخالف لقانون 144 لسنة 2006 لوجود دعوي بالطعن علي قرار محافظ القاهرة وإختصام رئيس مجلس الوزراء ورئيس حي بولاق في هذه الدعوي التي يشكو رافعيها من عدم تعويضهم، وعدم وجود مسكن بديل لهم ؛ وقد تقرر إحالة الدعوي إليلجنة من خبراء كلية الهندسة، ونحن بإنتظار التقرير ولكن ربما لا يكون الحي بإنتظاره.


ذلك الامر الذي بين أيدينا (شكل رقم 10) يفكرنا بشيء اسوء حدث في عام 1998، عندما أستيقظنا ولم نجد "كوبري ابو العلا" مكانه؛ فربما رائحة الحديد الصدأ متعبة ولا توحي بالراحة.
والغريب ان بقايا ذلك الكوبري توجد اسفل كوبري الساحل تسرق كل يوم، وكأن 20 عاما تكفي أن نتناسي ذلك المعمار، في حين نستذكر أشياء اخري في نفس الحي وكأن العالم جميعا يقف علي روؤسنا من أجل ذلك الإستذكار!
ولا يسعني سوا قول أنها تكملة سياسة النيوليبرالية التي بدأت في هذه الحي من أوائل الثمانينات؛ انها " الرأسمالية المتوحشة".
وعودة مرة أخرى لأواخر القرن التاسع عشر وبالقرب من كوبري الساحل حاليًا، سكن التجار الوافدين في انتظار وصول بضائعهم إلي ميناء بولاق "روض الفرج" حاليا، حيث بني "كوبري امبابة"، (شكل رقم 11) لإنعاش التجارة البرية آنذاك.

وفي الخاتمة إن كان كوبري ابوالعلا قد سرق من، فربما نجد بعض العزاء في بقاء كوبري امبابة، وربما  دقة التصوير السينمائي له تكون جزءا ايضا من ذاك العزاء في بعض الأفلام السينمائية والوثائقية.




    
  شكل رقم 1 :خريطة القاهرة عام 1826 من الأطلس الجغرافي أحد أجزاء المصنف الشهير وصف مصر لعلماء الحملة الفرنسية  فيها قرية امبابة بجانب مثيالتها من قرى الجيزة التاريخية ،                                                                                             المصدر: مكتبة اإلسكندرية.







       شكل رقم 2 :قصر محمد بك الألفي حيث مقر قيادة بونابرت في مصر من 1798-1801

                                 






   شكل رقم 3 :بوستر ألحد حفالت السيدة أم كلثوم  بحديقة الأزبكية













                                                                   
          شكل رقم 4 :صور لمسجد أزبك





                                             
   شكل رقم 5 :جانب من ميدان الأزبكية أيام حملة بونابرت وحوله قصور األمراء المماليك









        شكل رقم 6 :صور قديمة لحديقة االأزبكية
                  


                                                              
         شكل رقم 7 :صورة جديدة لحديقة الأزبكية


                                                         
             شكل رقم 8 :فندق شيبرد قبل حريقه بيو م واحد

                                                                       


  


                                                                        
         شكل رقم9 :مثلث ماسبيرو قبل وبعد الهدم

                                                                   
                                                             




                                                             
               شكل رقم 10 :كوبري أبو العلا قبل وبعد تفكيكه 







         شكل رقم 11 :كوبري أمبابة من الخارج والداخل 
































































































































.













.





.








.

مصنع البيرة الأثري في بين السرايات – مبني ينتظر الهدم

كدت انتهي من زحام في شارع ثروت عابرة إلي أعلي الكوبري بإتجاه منطقة صفط اللبن، أري تيمة وحيدة للمباني، تمر لحظات من الزمن عل...