الأحد، 29 مارس 2020

الراجل الجالس بجوار سحر.. قصه قصيره






واجهات المتحف الكبير





في زاوية منك أري بنايات مرصعة بالطوب الأحمر ، أري أراضي مخضرة تجرف ؛ فمرآه وحدتنا تدمر منذ عشرات السنوات، وسنظل هكذا الي ان نتفتت ونتفتت، و في آخر الامر نقول الحمد لله.

خرجت من منزلها في عجلة لحضور محاضرتها في الجامعة.  وقفت في الموقف الرئيسي فلم تجد ميكروباص "دائري المرج" لكي يُنزلها عند محور جامعة القاهرة، حين لمحت ميكروباص اخر.
 فسألت سائقه: بتمرعلي الجامعة.
السائق: ايوه اركبي هنزلك عند مترو الجامعة.
جلست سحر في منتصف الكنبة الثانية بجانب شاب ، ثم اتي رجلا في الخمسين من عمره جلس إلي يمينها،
ممم...... لم يكتمل العدد، والسائق يزمجر قائلا:
"بقالي ساعة بنادي علي دائري جيزة والله.  لو كنت الصبح كان الميكروباص اتملي علي طول".
بعدها جاءت امرأة عجوز ومعها بنتها وحفيدتها للجلوس في اخر كنبة في العربة، ثم تبع ذلك قدوم شابين للركوب بجانب السائق ولكن من الواضح ان الملل تسرب إليهم بعد قليل من الوقت فطلب احدهم من السائق :
الشاب:" ينفع نشغل اغاني يا اسطي".
السائق: "اتفضل مفيش مشكلة".
واخيرا جاء رجل ضخم في الاربعين ليقعد علي المقعد الصغير او ما يسمي بالقلاب في اول كنبة.
 اكتمل العدد، انطلق الميكروباص ،وبدأ الليل يخيم علي الطريق.
وفي زحمة السير، الجميع في صمت وأصوات أغاني ترتفع وتتغير وتيرتها سريعا ، فهي تتحدث عن القهر مع ملمح الجنسي الواضح.  مرت 15 دقيقة ، والجميع مستسلم علي طريقته وفجأة جاء تليفون للسيدة العجوز وهي تكافح في رفع صوتها حتي تستطيع التواصل مع من يتحدث إليها، وأثناء ذلك وضعت  سحر الهيد فون في أذنيها وأستمعت لأغنية "ليه خلتني أحبك" في محاولة منها لإستبعاد الأصوات الأخري ونجحت بالفعل، ولكن بعد قليل أرسل صوتا من ورائها كأنه ريح تحمل شيئا قويا  قائلا:
الرجل:" وطي الصوت شوية يا أسطي".
وبسرعة لم نجد صوتا لأغنية ما، ولحقت نفس هبة الريح إلي من يجلس بجانب سحر قائلا:
الرجل:" يا عم شغلنا حاجة لعبد الحليم حافظ او ام كلثوم، فريد الاطرش ماله".
فإندفع الرجل الضخم وسارع قائلا: " لما كنت عايش في الكويت،  لو حد رقص بسنجة علي اغنية عبده موته بيتعاقب، الكويتين بقيوا شعب مثقف وعنده دراسات عليا".
فتدخلت العجوز في المحادثة قائلة:

"أتعلموا مننا".
الرجل الضخم: "ايوه اتعلموا منا وأحنا بقينا قلة".
فأضطر الشاب أن يأتي بأغنية لأم كلثوم حتي ينهي ذلك النقاش، ففرح الجميع بالأغنية وقال الرجل الجالس بجانب سحر
الرجل": الله عليك، ايوه كده، دول الناس الجميلة، ارجعوا يا بني للزمن الجميل، فكروا هتلاقوه احسن بكثير من القرف اللي بتسمعوه".
فسارع الرجل الذي وراء سحر قائلا: "دي وجهات نظر يا حج كل واحد يسمع اللي يحبه، أنا اول ما اتكلمت اعترضت علي حدة الصوت مش نوع الأغاني. هو ليه احنا شعب تركيبنه ان اي موضوع في الحياه ليه وجهين ظاهر وخفي لكننا نعشق ان نبحث عن الخفي ونترك الظاهر سدي؛ شعب غريب والله" .
فعاد الأول كأنه لم يسمع الرجل: "مصر محتاجلكم يا بني".
فرد الشاب قائلا: "هو حضرتك مين"؟؟
الرجل: أنا جيل اكتوبر.
فقاطع الشاب الرجل قائلا: "مصر مش محتاجة للشباب يا ابا، احنا عارفين هي محتاجة ايه كفاية... عليها".
الرجل منفعلا، وملتفتا الي الرجل الذي وراء سحر:" شفت الشباب يا سيدي، شفت" !!!!
الأخر:" امتعضت شفتاه ولم يتكلم بجنس كلمة".
وقد استمر الرجل  في تكرار نفس قوله  متزامنا  برصد نظرات ثاقبة وناقدة إلي سحر وكأنه يريدها أن تقول كلمة في حقه بينما تحاول ان تغمض عينيها  متجاهلة تلك النظرات اذا انها في غصتها الشهرية، وتقلصاتها قد بدأت في أحشائها ، وحينها تذكرت ما  مر عليها من يومين حين أستقلت عربة تشبه السوزوكي وقبل المرور علي الطريق الدائري وجدت جاموسة تسير وحدها تقطع الطريق  المرصوف بجانب الطريق العام  كأنه غيط من غيطان الريف  فتندهش لذلك  وتضحك بصورة هستيرية
قتقول من بجانبها:" أتضحكين علي ماذا ... علي الجاموسة"!!!!
سحر: طبعا
الأخري: "تعلم أن الله معها فأطمئنت ووثقت في خطوتها ، في حين الانسان له عقل ويؤمن بالله ولكنه مترددا دائما من خطواته".
وبعد برهة من الصمت رأت سحر صف من الجاموس يسير لا يخشي من شيء فعلمت ان تلك الجاموسة  أبطئت ولكنها ليست وحيدة إنما ضمن ذاك القطيع .
" ويلي! الوقت يمر كقطرات المياه التي تسقط  من حنفية متهالكة،  والرجل مازال يتكلم كأن لم يمر دقائق ، و سائق لا يحاول قول شيئا واحدا يسير في طريقه يتضح أن الحوار يستسيغه من داخله .وعلي بغته قال الشاب:
يا حج أنت من جيل أكتوبر 73 واحنا جيل التسعينات لازم يكون فيه فروق بينا، متحسنيش أنكم جيل مقدس واحنا مدنسين، الجيل عمره 30 سنه ،وأنتم فاكرين الأمر سيستمر ليكم لميت سنه وده كفر بينا.
الرجل بدأ يحك يده في رأسه وقال: " انتم أزاي بتفكروا كده، ما هو تفكيركم ده اللي مودينا في داهية....
أسرعت العجوز قائلة: " هدي نفسك دول عيال، متخدشي علي كلامهم..
فلم تجد سحر مفرا من ان تتكلم!
"هو مين اللي عيال، هو لحد أمتي هتفضلوا تتكلموا بالنبرة ديه ، يا حج 73 مرحلة تاريخية وليها عيوبها زي مميزاتها، فيها العبور زي حصار السويس، فيها علم مصر أترفع علي الضفة الشرقية زي ما فيها كامب ديفيد...
لم تكمل سحر جملتها حيث تلقت قلما  واجعا علي وجها النضر،  ثم قاطعها الراجل قائلا: كفاية....
 شق قميصه فخلخلت سحر لما رأته ، وقال:" هذا ما فعله بنا الصهاينه في سيناء، نجمة داوود غرسوها في صدورنا".
زلزل الجميع، وقالت سحر: " نزلني يا أسطي ده مش طريقي".
نزلت سحر أمام الهرم مرتعشة متلجلجه في خطواتها ، نظرت ورائها فوجدت العربة قد انطلقت كشهاب ولكن علي الارض؛ فعلمت نفسها وحيدة ، فرجعت برأسها لتنظر إلي الهرم قائلة: "  في زاوية منك أري بنايات مرصعة بالطوب الأحمر ، أري أراضي مخضرة تجرف  فمرآه وحدتنا تدمر منذ عشرات السنوات، وسنظل هكذا الي ان نتفتت ونتفتت، و في آخر الامر نقول الحمد لله. إذا  لم يتبقي لي إلا ان انظر إليك وبجوارك متحف يأخذ شكل مثلثي يخلط ما بين الأبيض والأسود يغطي علي بهوك و ذاك الطريق المقتضب الذي يلتف حولك وينهي مساره في بنها. لقد أخذتم منا عقولنا، و يبقي هو كل يوم يغوص في الماضي يتكبد ويعاني لعل مجتمعه يعود إلي عافيته ،فلا تسرقوا منا الهرم،....لا تسرقوا منا الوطن".

التوقيع
بسمة مطر
 27/12/2018





بدون فواصل ... قصه قصيره

 




لا يوجد بداية او فاصل زمني ما ، وقف القطار في محطة السيدة زينب، نزلت صفاء من بوابته قاصده السؤال علي موضع بيت السناري، لم يشفيها أحد بإجابة، فوجدت رجل في الخارج يشير لها بركوب سوزوكي فوصف لها اين هي قبلتها، بعد أن نزل الجميع عند جامع السيدة زينب سألها السائق:
"تعرفي مكان بيت السناري"..
صفاء: "لا ما هو قالك مكانه"..
وأثناء السير بالعربة لمحته من بعيد، وجهت نظرها اليه حتي توقن انه هو؛ تعلم أن الزيارة ليست ممنوعة، ولكنها ترتدي بنطالا وشعرها ملفوف ومموج وقد لا يسمح بدخولها، فسألت السائق:

"هل في مشكلة في زيارة المكان" ؟
هو: "لا ، تحبي تروحي ليه قبل بيت السناري".
هي: اقلك بلاش عايزة الحق اجيب كتاب الدكتور قبل ما يخلص وبعدين هروحه، ما انا عرفت هو فين خلاص".

توقف وانزلها عند جامع السيدة زينب ! قطعت الطريق، دخلت إلي عطفات كثيرة، ولكن دكاكنيها مغلقة ولاتدري ما السبب، اشترت الكتاب، رجعت إلي حيث مكانها المقصود، تسلك الشارع فتشفق من صبيه بجوارها قد يطلق من السنتهم كلمة فجة او يلتصق أحد بها، فتجد عقولهم كبيرة كرجال ناضجين.
الجميع يساعدها لا يبغي شحاته او طامعا في أمل ما.
وصلت إلي حيث قبلتها وأثناء دخولها البهو الأول للجامع الكبير أحست بقزمها، ثم لم تشعر بجسدها، جالت فيه بخفة لم تفعلها في اي جامع اخر، أسرعت إلي سلالم المئذنة كأنها عاشقه تجري وراء معشوقها، ارتفعت نسبه الأدرينالين في الدم، لم تضع في بالها انها قد تكون علي مسافة عالية، وقد وصلت إلي ما يعادل الطابق السادس وعندما لمحت ارتفاعها من اعلي تشنجت رجليها وهي تحاول ان تكمل صعودها، فعلمت انه السقوط، حتي وإن جلست على السلالم الحجرية  فستقع عندما تقف، وملامستها جدران السلالم لن تحميها، هي لا تعترض علي شيء. فكم من مرة سألت الله معاتبه ان يأخذها اليه، توقن انه السقوط حتي مع قرأتها سورة الإخلاص وذكرها الله أثناء نزولها علي تلك السلالم
. لم تري ملك الموت، لم تشعر بوجود ملائكة، كل ذلك يجول بخاطرها، فوجدت نفسها عند بوابة المئذنة !!! تسألت ماذا حدث؟؟ انا لم اقع!! ؛ خلقت في هذه الدنيا كالظفر الذي يغرز باللحم، لم أكن خائفة، أمي وأبي لا يعرفان إني هنا ، لم يعد لي جسدي، بالرغم من حيواتي، ويالله لماذا اظن بك الظنونا وانت تمنح لي القوة والخير.

بسمة مطر
3/2/2019

مصنع البيرة الأثري في بين السرايات – مبني ينتظر الهدم

كدت انتهي من زحام في شارع ثروت عابرة إلي أعلي الكوبري بإتجاه منطقة صفط اللبن، أري تيمة وحيدة للمباني، تمر لحظات من الزمن عل...