من الشاق
علي النفس أن تبحث عن جامع عظيم هُدم منذ زمن؛ يقع في حي يتعرض لعمليات ذبح علي
مدار سنوات ليست بالقليلة.
جامعنا
اليوم كان يقع في أعمر أخطاط مصر وأحسنها – خط الخُطيري - علي حسب رواية شيخ
المؤرخين المقريزي ، كما بُني بجانبه ربع تسابق الناس علي سكناه، في منطقة اشتهرت
بالتنزه فيها. كانت مكانهُ دار أمتلكها تاج الدين بن الأزرق تُعرف بالموبقات، فقام
النشو ناظر الخاص (المُكلف بإدارة أموال السلطان) بمصادرة البيت وبيعه! فإشتراه الأمير عز الدين
أيدمر الخطيري ثم هدمه وبني مكانه جامع ولعلنا نرد ما قاله المقريزي في كتابه
الخطط " فإشتراها منه الأمير عز الدين أيدمر الخُطيري وهدمها وبني مكانها
هذا الجامع وسماه جامع التوبة ، وبالغ في عمارته، وتأنق في رخامه، فجاء من أجمل
جوامع مصر وأحسنها، وعمل له منبر من رخام في غاية الحسن، وركب فيه عدة شبابيك من
حديد تشرف علي النيل الأعظم، وجعل فيها مكتبة جليلة نفيسة، ورتب فيه درسًا للفقهاء
الشافعية، ووقف عليه عدة أوقاف... فلما خلص ابن الأزرق من المصادرة، حضر إلي
الأمير الخُطيري وإدعي أنه باع داره مُكره، فدفع
إليه ثمنها مرة ثانية، ثم إن البحر قوي علي هذا الجامع، فأعاد بنائه بجملة
كثيرة من المال، ورمي قدام زربيته ألف مركب بالحجارة، ثم انهدم بعد موته وأُعيدت
زربيته".
وقد حاولنا
العثورعلي صور لجامع الخُطيري قبل هدمه فلم نجد سوي صورتين واحدة من موقع القاهرة
التاريخية عام 1875 ، والثانية أحدث منها في كتاب" آثار القاهرة الإسلامية في
العصر العثماني " للأستاذ محمد أبو العمايم . إذا فالسؤال الذي يطرح نفسه ما الجامع
الذي نراه في احدي عطفات شارع سيدي الـُخطيري الآن!؟ هل هناك آثار متبقية من ذلك الجامع
القديم؟ ولماذا تم هدمه؟ وسأترك لك في النهاية أيها القاريء إجابة هل هدم ذلك
الجامع كان القرار المناسب أم لا؟
عند ذهابك إلي شارع سيدي الخُـطيري – متفرع من نهاية شارع 26 يوليو من ناحية كورنيش
النيل – والدخول إلي يسار أول عطفة ستجد ورش الحدايدية والصنايعية تُعج بالمكان وفي
نفس الوقت يسود الهدوء والطمأنينة كأنك لست في مكان شعبي إنما واحة خضراء شبيهة
بمشهد بدايات أو جذورذلك المكان من العاصمة " القاهرة" ، هناك ستجد بناء
حديث مكتوب عليه مسجد الخُطيري ؛الواقع انه ملحق بالجامع الذي هدم في خمسينات
القرن الماضي وحل محله فيما بعد مطلع الكوبري المستدير بناحية كورنيش النيل.
وقد ذكر
الأستاذ "إدوارد وليم لين " في كتابه القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر "
وقد ظلت بقايا ذلك الجامع موجودة إلي وقت قريب في شارع بولاق أو فؤاد الأول (
حاليا 26 يوليه) مع شارع كورنيش النيل، ولكنها أزيلت عند تنظيم شوارع بولاق أواخر
القرن العشرين، ونقلت البقايا الهامة وأهمها لوح من الحجر نُقش عليه
تاريخ إنشائه إلي متحف الفن الإسلامي بالقاهرة".
إلا أننا
لم نجدها من ضمن المعروضات في متحف الفن الإسلامي! فعسي ان تكون مُخزنه من ضمن
خزائنه النفيسة.
أما عن
الاستاذ محمد أبو العمايم فقد ذكر في كتابه آثار القاهرة الإسلامية في العصر
العثماني " خط الخُطيري هو المنطقة حول جامع الخُطيري (737هـ) وهو أقدم
وأشهر جوامع بولاق وتعتبر المنطقة حوله نواه مدينة بولاق في عهد السلطان الناصر
محمد بن قلاوون التي تكونت حولها المدينة الميناء... والخط هو شارع سيدي الُخطيري،
وقد قطعه شارع أبي العلا عام 1908م عند الإعداد لمشروع كوبري بولاق، حيث أزيلت
العقارات بالقسم الجنوبي من شارع سيدي الخُطيري، أصبح جامع الخُطيري نفسه مطلا علي
شارع أبي العلا الذي أصبح فيما بعد شارع فؤاد الأول... أما عن جامع الخُطيري
الأثري فقد هدم في أواخر الخمسينات من القرن العشرين بحجة عمل كورنيش وكان بعيدا
عن النهر".
ويرجح أن
القرار رقم 1177 لسنة 1957 بشأن إعتبار تنفيذ مشروع إنشاء كورنيش النيل بمنطقة
بولاق من أعمال المنفعة العامة كان من
ورائه هدم ذلك الجامع الأثري.
فهل هناك شيء في الأرض أو السماء يستطيع أن يخبرنا أقصي
من هذا ؟ عن فقدنا لذاكرة وجداننا، ليس لجامع الخُطيري إلا قصة أخيرة؛ سطرتها هذه
المقالة!






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق